السيد كمال الحيدري

77

شرح كتاب المنطق

يقول في المتواترات : [ وهي قضايا تسكن إليها النفس سكوناً يزول معه الشكّ ] ويحصل اليقين [ ويحصل الجزم القاطع ] . وهذا ليس بكافٍ ، لأنّ اليقين في المنطق الأرسطي هو حصول الجزم القاطع ، وأنّه جزم لا يزول - كما ذكرنا - وليس مجرّد أن يحصل للإنسان جزم قاطع ، بل لابدّ أن يحصل جزم لا يزول ، حتّى تسكن النفس إليه ، والتواتر يفيد هذا المعنى . [ وذلك بواسطة إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب ويمتنع اتّفاق خطئهم في فهم الحادثة ] « 1 » وهذا القيد - كما أشار إليه في الهامش - لم يوجد في كلمات المناطقة والأصوليين ، ووجد ( رحمه الله ) من الضروري إضافته لكي يفيد التواتر اليقين . فإنّا إذا حذفنا القيد فقد لا يفيد التواتر اليقين . فإنّ كثيراً من الناس يخطئون في فهم الحادثة على وجهها حينما تقتضي الحادثة دقّة الملاحظة ، من قبيل رؤية الهلال ، فإنّه قد يتخيّل شخص أنّه رأى الهلال ، ويوافقه آخرون ، مع أنّه لو تُركَ ونفسه وسُئلَ على وجه الدقّة ، هل رأيت

--> ( 1 ) هذا القيد الأخير لم يذكره المؤلّفون من المنطقيين والأصوليين ، وذكره - فيما أرى - لازمٌ ؛ نظراً إلى أنّ الناس المجتمعين كثيراً ما يخطئون في فهم الحادثة على وجهها ، حينما تقتضي الحادثة دقّة الملاحظة . وقوانين علم الاجتماع تقضي بأنّ الجمهور لا تتأتّى فيه الدقّة في الملاحظة ، إذ سرعان ما تسري فيه العدوي والمحاكاة بعضهم لبعض ، فإذا تأثّر بعضهم بالحادث المشاهد قد يقلّده غيره من الحاضرين بالتأثّر من حيث لا يشعر فيسري إلى الآخرين . وعليه لا يحصل اليقين من إخبار جماعة يحتمل خطؤهم في الملاحظة وإن حصل اليقين بعدم تعمّدهم للكذب . ألا ترى أنّ المشعوذين يأتون بأعمال يبدو أنّها خارقة للعادة ، فينخدع بها المتفرّجون لأنّهم لم يُرزقوا ساعة الاجتماع دقّة الملاحظة ، ولو انفرد الشخص وحده بمشاهدة المشعوذ لربما لا يشاهده يطحن الزجاج بأسنانه ويخرجه إبراً أو يطعن نفسه بمدية ولا يخرج الدم ، بل قد تنكشف له الحيلة بسهولة . ( منه قدس سره ) . .